إلى زياد الرحباني: تحيّة لرمز الثّائرين القلقين

عاجل

الفئة

shadow
*بقلم الدكتور مالك أبو حمدان*

أعلم أنّ الكثيرين من محبّي وعاشقي “زياد” سيعتبرون أنّ الاكثار من المقولات والتّحليلات الفكريّة، وأنّ الاكثار من الفلسفة والتّفلسف – إن جازت هذه التّعابير كلّها - في ما يخصّ هذا الرّمز الفنّيّ والاجتماعيّ - اللّبنانيّ والمشرقيّ - الكبير… ليسا مناسبَين ربّما لما يُفضّله ويُحبّه الرّجل نفسه من جهة، وليسا مناسبَين في ما يعني المزاج اللّبنانيّ الشّبابيّ العامّ من جهة ثانية. نعم، الاكثار من التّفكّر والتّفلسف في ما يخصّ شخصيّة وأعمال “زياد”… قد يكون غير مناسب إلى حدّ ما. ولكن! لا يجوز في اعتقادي، أبداً، تمرير مناسبة كهذه من دون التّشديد على نقاط جوهريّة ومهمّة معيّنة. بل، لا يجوز أبداً: أن نُهمل عدداً من هذه النّقاط والزّوايا، ولو اعترض بعضنا على ذلك اليوم… فقد يتفهّمون ذلك، ربّما، في لحظة معيّنة لاحقاً. فهي نقاط جوهريّة متعلّقة بفنّه وبخطابه أوّلاً وبطبيعة الحال، ولكن، لا من الباب الفنّيّ التّقنيّ البحت إن جاز التّعبير، وهو بابٌ له أهله المتخصّصون والرّاسخون في علمه طبعاً… وإنّما من الباب الفكريّ والمفاهيميّ العامّ، وفي ما يعني تاريخ الفكر الانسانيّ بشكل عامّ أيضاً. لنركّز إذن، في ما يلي، على النّقاط الجوهريّة التّالية في ما يعني “ظاهرة زياد” إن شئت، آملين أن يساعدنا هذا التّركيز على وضع هذه الأخيرة ضمن سياق فكريّ وتاريخيّ معيّن وإلى حدّ كبير نسبيّاً. وسيرى العزيز القارئ معي، بموضوعيّة، كيف أنّ هذه النّقاط قد تُساعد أيضاً – وكذلك بشكل عميق على الأرجح - على فهم ظاهرة أخرى رأينا تجلّياتها بوضوح بُعيد اعلان وفاة هذا الفنّان الرّمز… ويُمكن تسميتها بدورها: “بالمعضلة اليمينيّة” في ما يخصّ زياد وظاهرتَه. إنّها معضلة أهل اليمين اللّبنانيّ بشكل عامّ مع زياد الرّحباني وظاهرته، وقد أخذت أشكالاً وصل بعضها أحياناً إلى حدّ رمي شعارات وردّات فعل من النّوع العنصريّ والفاشيّ! حقّاً: لماذا تستفزّ ظاهرة زياد الرّحباني بعض هؤلاء… وإلى هذا الحدّ، ولو تجلّى ذلك من خلف أستار وحجب من أنواع متعدّدة؟

النّقطة الأولى: يمكننا اعتبار المدرسة أو التّوجّه أو المزاج الذي يُمثّله عمل زياد الرّحباني… من الصّنف “الإنسانيّ” (قد يُترجم ذلك أغلبُ النّاقدين والفلاسفة والمؤرّخين اليوم إلى Humaniste وهذا بحث آخر له بدوره نقاش آخر). بعكس تيّارات ومدارس وتوجّهات متواجدة إلى اليوم هنا وهناك، وقد كانت سائدة بشكل خاصّ في الحقبة “ما-قبل-التّنويريّة” في الغرب عموماً، ومع التّبسيط: ينطلق عمل “زياد” أوّلاً من الإنسان، ثم “يصعد” – ربّما! - نحو عوالم المفاهيم والأفكار، ونحو عوالم الميتافيزيق والرّوح، ونحو عوالم الإلهيّات (إلخ.). الأمر يبدأ عند زياد الرّحباني، في الأعمّ الأغلب، من الإنسان أوّلاً… وهو ينتهي عنده في أغلب الأحيان أيضاً. “الله”: قد تكون فكرة منطقيّة، عقلانيّة، محترمة، جميلة… ولكنّها تظلّ فكرة كما استمات عمانوئيل كانط في شرح ذلك، مشدّداً على الطّابع الثّوريّ لهذا الانقلاب “الكوبرنيكيّ” المُبين في تاريخ الفنّ وفي تاريخ الفكر الانسانيّ ككلّ. أمّا “الإنسان”، وحياته وحاله وأحواله، فهو واقع… أو هو الواقع الذي بين أيدينا عمليّاً. قد نصل إلى الله، أو إلى معرفة “شيء ما” عنه… ليس ذلك مرفوضاً أو مستحيلاً، ولكن عبر الإنسان. الإنسان هو الموضوع الأساسيّ مبدئيّاً، وقد يكون الموضوع الوحيد عمليّاً. الإنسان هنا… هو الموضوع، وهو الموصوف، وهو المُخاطَب، وهو الهدف، وهو القضيّة. وكما ترى عزيزي القارئ، باختصار، فليس هذا توجّهاً اعتياديّاً أو حتّى غالباً في مجتمعاتنا الشّرقيّة والمشرقيّة، ومن ضمنها عائلة “زياد” الرّحبانيّة نفسها… وإلى حدّ لا يُستهان به ربّما.

النّقطة الثّانية: في عالم كهذا إذن، تتغلّب صفات كالواقعيّة. وتتغلّب لغة الواقع المعاش، ولغة النّاس في يومهم الاعتياديّ الملموس. لغة النّاس إذن، كما هي، لا كما يتصوّرها المفكّر أو المنظّر أو الفيلسوف: لغة النّاس كما هي، ولو في المقهى أو حتّى في الشّارع. في بدايات عصر النّهضة والتّنوير في الغرب، “اللّوحة الهولنديّة” ذهبت في هذا الاتّجاه الانسانيّ واليوميّ كما يُذكّر أهل تاريخ الأفكار والفنّ الغربيّين عادةً. بدلاً من محاولة رسم وتصوير الأفكار والرّموز الالهيّة والدّينيّة والميتافيزيقيّة، صار هؤلاء الرّسّامون يرسمون حياة النّاس اليوميّة. عمل “زياد” يُشكّل ثورةً فعليّةً شبيهةً، إلى حدّ بعيد، في لبنان وفي المنطقة. لذلك، يُمكن اعتبار أنّنا – أيضاً في ما يخصّ هذه الظّاهرة - أمام فنّ من النّوع… الشّعبيّ. بالتّأكيد، عمل “زياد” شعبيّ، وينأى بنفسه – بل وينقد، ويثور على – الأعمال ذات الطّابع الأرستوقراطيّ أو الموجّهة إلى طبقة زعماء اقطاعيّين أو ذوي توريث عائليّ (أو بالدّمّ، أو من خلال الولادة، أو من خلال الاسم العائليّ، أو من خلال الامتيازات الاستعماريّة القديمة… وما إلى ذلك). يُمكن القول إذن: إنّ عمل زياد الرّحبانيّ إنسانيّ أوّلاً، وشعبيّ ثانياً… غير أرستقراطيّ في ذاته، ولا في أهدافه، ولا في ميوله أو ذوقه، ولا حتّى في مصالحه. ولكنّه أيضاً، أي عمل “زياد”، وهذه نقطة قد تكون أكثر جوهريّة… غير بورجوازيّ، أو حتّى مناهض للبورجوازيّة والتي يُمكن تعريفها على أنّها طبقة الرّأسماليّين الجُدد (أي ما-بعد-الاقطاعيّين في بلادنا) و/أو طبقة الأغنياء – المُستكبرين غالباً - الجُدد… وهذا ما يوصلنا إلى النّقطة التّالية بالتّأكيد:

النّقطة الثّالثة: إذ يُمكن الادّعاء، من دون صعوبة تُذكر ربّما، أنّ سمةً نموذجيّةً لعمل زياد الرّحبانيّ الفنّيّ، هي في كونه ذا طابعٍ يساريّ-ماركسيّ أكيد… مع نكهة عَبَثيّة (Absurdisme) يعرفها جيّداً نقّاد الفنّ اليساريّ الطّابع. ويُمكن الحديث، في الإطار عينه، عن بُعدٍ وجوديّ (Existentialiste) ولو أنّه ليس من النّوع النّظريّ-الأنطولوجيّ بطبيعة الحال، ولا من النّوع المجرّد بالتّأكيد. كما عند كامو، لكن أيضاً كما عند باسكال الكبير، “الصّمت المُريب” لهذا الوجود أو لهذا الكون الظّاهر… يُرعب قلباً كقلب زياد، ويُقلق عقلاً كعقله. بل قد يكون يُشكّل مصدر “عذاب”… على الدّوام. بالله عليكم، هل من “معنى” لكلّ هذا من حولنا؟ هل كلّ هذا… عبثٌ في عبث؟ هل يُمكن للإنسان أن يعلم، حقّاً، ما-هو (أي… ماهيّته)؟ هل للإنسان من… ما-هيّة أصلاً؟ ولكنّ موقف “زياد” تجاه هذا الصّمت المُريب، وبالأخصّ تجاه الصّعوبة في فهم معنى معاناة الانسان في هذا الكون، لا سيّما من باب غياب العدالة الظّاهر: ولكنّ موقف “زياد”، إذن، هو – في غالبه - من النّوع الثّوري لا التّسليميّ أو الاستسلاميّ. وهو موقف ثوريّ متأثّرٌ إلى حدّ كبير، بحسب ما لمسته وبحسب ما قرأته وبحسب ما هو معروف إلى حدّ كبير في المبدأ: بموقف الشّيخ الشّيوعيّ الأكبر، والعلم الثّوريّ الأحمر، أي كارل ماركس (ت. ١٨٨٣ م) وبعض رفاقه وتلامذته وأتباعه. لا يُمكن في المبدأ: فصل عمل زياد الرّحباني عن جانبه النّموذجيّ… الثّوريّ بامتياز. وهو جانب ثوريّ مُرتبط بشكل عميق طبعاً، بل بشكل ولعلّ هذه الميزة بالتحديد، أي كون زياد الرّحباني نموذجاً انسانيّاً شموليّاً وعامّاً، تتقاطع بشكل مباشر مع مأساة الطّوائف، والمناطق، والهويّات الضيّقة، في بلدٍ كلبنان. فـ”زياد” لم يكن يومًا ابنَ طائفة، ولا ابنَ منطقة، ولا ابنَ نخبة سياسيّة، ولا ابنَ عائلة سلطويّة، ولا تابعًا لزعيم، ولا متلقّيًا لأوامر، ولا مردّدًا لشعارات معلبة. هو ابن الفكرة، وابن الشّارع، وابن الهمّ العامّ، وابن الحريّة، وابن الرفض، وابن الغضب الموجع الذي يحمل في طيّاته بعض الحبّ وبعض الأمل. لهذا، لم يكن مرّحبًا به دائمًا في السّاحات التي تحتكر التّصفيق، ولا في البيوت التي لا تفتح نوافذها إلّا على الزّعامات الموروثة، ولا في الشّاشات التي لا تعترف إلّا بالوجه المطبوع على سلطة المال أو على بطاقة الولاء. ولهذا أيضًا، لم يكن مفهومًا دائمًا، بل كثيرًا ما أُسيء فهمه، وتمّت شيطنته، أو اختُزل، أو جُرّد من روحه باسم الفنّ مرّة، وباسم السياسة مرّات.

وإنّ ما يجعل من زياد الرحباني ظاهرة متفرّدة في المشهد الثقافي اللبناني والعربي، هو أنّه لم يسعَ إلى البطولة بمعناها المتداول، ولم يبحث عن سلطة أو دور قيادي أو موقع احتفاء. بل بقي واقفًا على الهامش، بكامل وعيه، ليكتب ويؤلّف ويعزف ويقول ما يشاء، وبالطريقة التي يشاء. الهامش لم يكن ضعفًا، بل خيارًا واعيًا، ومساحة حرّة، وملاذًا نقديًّا وموقفًا سياسيًّا بحد ذاته. على هذا الهامش، بنى زياد مدينته – أو ضدّ المدينة – بصخبها وصراخها ونكاتها السوداء، وبلغة شعبها، لا بلغة “نخبتها”. والهامش هذا، لم يمنعه من أن يكون في قلب المعركة، بل جعله أقدر على فهمها، وأصدق في التعبير عنها، وأكثر تحرّرًا من قيود التّموضع والمساومة.

في رحيله، خسرنا من يُذكّرنا أنّ الفنّ لا يكون عظيمًا إلّا إذا حمل قضية، وأنّ الموقف لا يكون حرًّا إلّا إذا لم يُشترَ، وأنّ الإنسان لا يكون كاملاً إلّا إذا ظلّ ناقمًا على الظّلم، ولو دفنوه تحت ألف عنوان. في رحيله، خسرنا لغةً كاملة، وأسلوبًا فريدًا، وصوتًا نادرًا لا يشبه إلّا نفسه. لكنّ الخسارة الكبرى، ربّما، هي أن نحيا بعده في صمت، أو أن نكتفي بالرثاء، أو أن ندفنه مرّتين: مرّة في الجسد، ومرّة في الفكر.

لهذا أكتب. لا لأرثيه فقط، بل لأقول له: نحن هنا، نُعيد قراءة ما كتبت، ونستمع إلى ما لحّنت، ونضحك على ما قلت، ونغضب معك، ونقلق معك، ونحبّ معك، ونفتقدك… بكلّ ما فينا من صدق وامتنان. أكتب، لأقول إنّ حضورك باقٍ، لا لأنّنا نحبّك فحسب، بل لأنّنا نحتاجك أيضًا.

ولأنّنا سنظلّ نراك، يا زياد، حيث لا يتوقّع أحد، وفي اللحظة التي لا ينتبه لها أحد. سنراك في وجع عامل، في تنهيدة أمّ، في سخرية مثقّف تعب، في سؤال شابّ ضائع، في قلق فنّان صادق، وفي صرخة لا تزال تبحث عن عدالة… وعن معنى.

الناشر

1bolbol 2bolbol
1bolbol 2bolbol

shadow

أخبار ذات صلة